في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها قطاع الطاقة في المنطقة، تواصل مصر ترسيخ مكانتها كأحد أبرز المراكز الإقليمية في مجال إنتاج وتصدير الكهرباء، مدفوعة برؤية القيادة السياسية واستراتيجية واضحة تهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي وتحقيق الاستدامة بتوجيهات من فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وتشير بيانات وزارة الكهرباء المصرية إلى أن المستحقات المالية المتأخرة لمصر عن صادراتها من الكهرباء عبر خطوط الربط مع الأردن وليبيا والسودان بلغت نحو 320 مليون دولار حتى نهاية يوليو 2025، في وقت تواصل فيه القاهرة الوفاء بالتزاماتها التصديرية بانتظام، بما يعكس متانة بنيتها التحتية وثقة شركائها الإقليميين.
ووفق مصادر مطلعة، تستحوذ ليبيا على الحصة الأكبر من هذه المستحقات بقيمة تقارب 200 مليون دولار، بينما تتوزع القيمة المتبقية على الأردن والسودان. ورغم تراكم هذه المستحقات منذ عام 2023، إلا أن الدول الثلاث أبدت التزاماً واضحاً بسدادها وفق برامج زمنية متفق عليها، وهو ما يرسخ الثقة المتبادلة بين مصر وجيرانها، ويؤكد نجاح نموذج التعاون الإقليمي القائم على المصالح المشتركة.
نجاح مصر في تصدير الكهرباء لا يأتي من فراغ، بل يعكس حصيلة استثمارات ضخمة بلغت نحو 965 مليار جنيه خلال العقد الماضي، وُجهت إلى مشروعات إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، لتوسيع قدرات التوليد وتطوير الشبكات ورفع كفاءة البنية التحتية. وقد أسهمت هذه الاستثمارات في رفع القدرة المركبة إلى نحو 58 ألف ميغاواط، مقارنة باستهلاك يومي يصل إلى 40 ألف ميغاواط في ذروة الصيف، ما خلق فائضاً كبيراً يتم توجيهه لمشروعات الربط الكهربائي مع دول الجوار.
هذا الفائض لا يقتصر أثره على تصدير الكهرباء فقط، بل يشكل ركيزة أساسية في مخطط الدولة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، إلى جانب ما تحقق في مجال الغاز الطبيعي. فمصر لا تسعى فقط لتلبية احتياجاتها الداخلية، بل تعمل على تصدير الفوائض لتعزيز موقعها الجغرافي كجسر يربط بين الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا.
وفي إطار هذه الرؤية، تعمل مصر حالياً على تنفيذ مشروع الربط الكهربائي مع السعودية بقدرة تصل إلى 3 آلاف ميغاواط على مرحلتين، إضافة إلى خطط استراتيجية للربط مع اليونان وقبرص، لنقل الكهرباء المنتَجة من المصادر المتجددة إلى القارة الأوروبية. كما تتطلع القاهرة إلى مد كابل بحري جديد مع الأردن بقدرة أولية تبلغ ألفي ميغاواط، لتصدير الكهرباء إلى العراق وسوريا ولبنان، بجانب رفع كفاءة خطوط الربط القائمة مع ليبيا والسودان والأردن.
يرى محللون أن هذه التحركات تعكس رؤية القيادة المصرية في بناء اقتصاد مرن ومتنوع يقوم على استغلال موارد الدولة بكفاءة، وتوظيف الفوائض الإنتاجية في تعزيز التكامل الإقليمي والدولي. ومع تزايد التوجه العالمي نحو الاعتماد على الطاقة النظيفة والمتجددة، تبرز مصر كأحد أهم الشركاء القادرين على تلبية احتياجات الأسواق الإقليمية والأوروبية من الكهرباء منخفضة الانبعاثات.
ويؤكد الخبراء أن انتظام عمليات التصدير مع الالتزام بجدولة المستحقات يعزز من قدرة القاهرة على تمويل توسعاتها المستقبلية في قطاع الطاقة، ويدعم ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين في استقرار الاقتصاد المصري. كما يرسخ هذا النجاح صورة مصر كدولة قادرة على الجمع بين الأمن الطاقي والتنمية الاقتصادية، وهو ما يترجم عملياً رؤية القيادة السياسية لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة في القرن الحادي والعشرين.
نُشر بواسطة مكتب أخبار- مينانيوزواير
